الأربعاء, أبريل 17, 2024
No menu items!
الرئيسيةآخر الأخبارفي ظل "محاباة" و"كسب غير مشروع" عقود صورية واختلاس في المواد ينذر...

في ظل “محاباة” و”كسب غير مشروع” عقود صورية واختلاس في المواد ينذر بانهيار مبانٍ “مغشوشة”

ملتقى إعلاميات الجنوب- تحقيق محمد أبو قمر

في السابع والعشرين من أبريل/ نيسان 2023، انهار جدار استنادي غُرس على حدود أحد المباني لحمايته؛ تمهيدًا لإقامة مبنى استثماري على أرض ملاصقة له.

حادثة انهيار ما تعرف بـ”القواديح” للمبنى الواقع جنوب غربي مدينة غزة، والتي وثقتها كاميرا جوال، دفعت الجهات الحكومية المختصة لإخلاء البناية القائمة خشية انهيارها بعدما تضررت قواعدها، وشُكلت على أثرها لجنتي تحقيق للوقوف على الأسباب.

الكثير من الأسئلة أثارها الانهيار، حول مكامن الخلل التي أدت لتهاوي القوالب الاسمنتية، وفتحت باب البحث في ملف الرقابة على الإنشاءات ومدى الالتزام بشروط ومعايير مواد البناء، ودور الجهات الإشرافية في متابعتها، والتدقيق في شبهات فساد تتمثل في عقود صورية، والحصول على رشاوى، واختلاس أموال، والكسب غير المشروع.

إشراف صوري

أولى خطوات البحث انطلقت من شمالي قطاع غزة؛ للوقوف على التفاصيل المطلوبة لإنشاء أي مشروع بناء في محافظات غزة، إذ يقول المهندس (ن) صاحب مكتب هندسي إن عملية البناء تبدأ بتصميم المخطط واعتماده من نقابة المهندسين ومن ثم البلدية التي يقع المبنى داخل نفوذها.

مهندس إشراف: يوجد عقود صورية ومكاتب وهمية بأختام مبيوعة

لكن المهندس، الذي فضل عدم ذكر اسمه نظرًا لحديثه “الصريح” كما يقول لوكالة “صفا”، يوضّح أن نقابة المهندسين تشترط وجود عقد إشراف على التنفيذ من مكتب هندسي بالتزامن مع اعتماد المخطط، مؤكدًا أن العقد يكون صوريًا في معظم الأحيان لعدة أسباب. (العقد الصوري يتم بموجبه منح صاحب المبنى عقدًا يفيد بأن المهندس يشرف على مراحل البناء، لكنه فعليًا لا يتابع عمله في الموقع)

أولى تلك الأسباب، وفق المهندس، أن “المواطن اعتاد الحصول على عقد الإشراف كهدية من المهندس الموكل إليه تصميم المخطط، وعندما ألزمته نقابة المهندسين بدفع مبلغ الإشراف في صندوق النقابة، لجأ المواطن لاتفاق خارجي مع المشرف يقضي باسترجاعه الأموال لاحقًا”.

أما السبب الثاني فيكمن في أن “الكثير من المواطنين يعتمدون المخططات ويحصلون على تراخيص البلدية، ويؤجلون عملية البناء لسنوات أحيانًا، وبالتالي يصبح عقد الإشراف مجرد حبر على ورق”.

صاحب مصنع باطون: التلاعب بالكميات ومضاعفة الأرباح تتم غالبًا باتفاق مسبق

ويرجع (ن) السبب الثالث إلى “عدم اقتناع المواطن بالدفع للمهندس المشرف، إذ يتطلب بناء كل طبقة اسمنتية خمس زيارات للموقع، مقابل 20 دينارًا أردنيا لكل زيارة، أي بمجموع مائة دينار (130 دولارًا) لكل طابق.

ويشتكي المهندس المشرف من أن البلديات ونقابة المهندسين تُحمل المكاتب الهندسية مسؤولية أي خلل في عملية البناء رغم أن النقابة تحصل على مبلغ مالي مقابل اعتماد كل مخطط وعقد إشراف، وفي نفس الوقت لا تتحمل مسؤولية.

ومن الأمثلة الشائكة التي يرويها صاحب مكتب الإشراف الهندسي، أن بعض البنايات القديمة لا يوجد لديها مخططات، وفي حال أراد صاحبها استكمال بناء أدوارها تطلب البلدية شهادة “تحمل أدوار” معتمدة من المكتب الإشرافي ونقابة المهندسين، “ولكن غالبًا يحصل عليها المواطن دون فحوصات مسبقة، ومع ذلك تعتمدها النقابة دون التأكد من صحة ما دونه المكتب الهندسي”.

المشاريع الاستثمارية

في حلقة نقاش جمعت عددا من المهندسين، استمع معد التحقيق إلى بعض “خفايا التلاعب الذي يصعب كشفه” في بناء المنشآت، والذي يقوم أساسه على مقولة متداولة بين المهندسين، يتخذها البعض قاعدة للعمل، وهي “الباطون سره باتع”، أي أن الباطون قوي ويتحمل الكثير وفرضية انهياره معدومة حتى لو تم تخفيف المواصفات.

ولم ينف المهندسون وجود عقود إشرافية صورية، تقدم كهدية إضافية عند إنجاز مخططات المباني.

صاحب مصنع “بلوك”: بالتجربة لا يمكن ضبط المخالفات، لأنها متشعبة

وتحدث أحد المهندسين عن “تواطؤ” بين شركات الباطون والمقاول المنفذ، بأشكال مختلفة، بأن يطلب المقاول كمية باطون أكبر من حاجته، وضرب مثالًا على ذلك بالقول: “من الممكن أن تكون كمية الباطون المطلوبة للطابق 25 كوبًا، لكن المقاول يطلب 30؛ وبالتالي يكون هناك ثمن خمسة أكواب فائضًا! (سعر كوب الباطون 330 شيقل أي ما يعادل89$).

ويجزم أن تقاسم أي مبلغ فائض نتيجة التلاعب بالكميات والمواصفات “يكون باتفاق مسبق بين الجهات الشريكة”.

وتتفق آراء المختصين أن المشكلة الأكبر تكمن في المشاريع الاستثمارية التي يكون هدف أصحابها تحقيق القدر الأكبر من الربح، على خلاف البنايات الخاصة التي يحرص أصحابها على متابعة الالتزام بالمواصفات والمعايير.

مشرف مشاريع: الملف شائك وتغيير المواصفات يزيد الأرباح

ويجزم مختصون أن “فرصة الغش في المشاريع الكبيرة تكون أكبر بكثير لأن أي تغيير في المواصفات يوفر الكثير من المبالغ المالية”.

ويلفت صاحب مكتب الإشراف الهندسي، الذي تحفظ على ذكر اسمه، إلى أنه تابع ذات مرة إشكالية ظهرت أثناء العمل في الطابق الرابع لمبنى من المفترض أن يصل إلى ثمانية طوابق، ويمتد على مساحة ألف متر، حين تقوّس سطحه بمقدار خمسة سنتيمترات؛ ليتبين فيما بعد أن الحديد الذي تم استخدامه مخالف لما هو بالمخطط، وتم تخفيفه “بشكل مبالغ فيه”.

ويقول المهندس: “لو تم استبدال الحديد عيار 12 ملم بآخر عيار 10 فهذا يوفر ثلاثة آلاف شيقل (830$) في كل طابق، أي سرقة 6640$ في ثمانية طوابق، وهذا من الحديد فقط”.

ويدلل صاحب مكتب الإشراف الهندسي في المثال السابق على العلاقة غير السليمة بين المقاول المنفذ ومهندس الإشراف في بعض الأحيان.

مدير مختبر: مختبرات تتنازل عن النزاهة لكسب المقاول

ومع أن أصحاب المهن المتعلقة بالبناء رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، إلا أن معد التحقيق يحتفظ بجميع التسجيلات التي تؤكد حديثهم.

كسب غير مشروع

انتقل معد التحقيق إلى جنوبي قطاع غزة ليلتقي بصاحب مصنع طوب “بلوك”، الذي جزم بدوره وجود غش بطرق متعددة، بهدف توفير مبالغ مالية يتم تقاسمها بين الأطراف المستفيدة؛ ولحساسية الملف المطروح وافق صاحب المصنع على الحديث شريطة عدم ذكر اسمه.

ويقول صاحب المصنع  “حسب التجربة، لا يمكن ضبط مخالفات البناء والمقاولات، لأنها متشعبة، ويشترك فيها أكثر من طرف”.

هيئة المكاتب: بعض البلديات تعتمد عقود إشراف دون ختم نقابة المهندسين

ويلفت الرجل إلى أن “تخفيف سُمك سقف الباطون سنتيمتر واحد فقط، يوفر الكثير من الكميات، وفي هذه الحالة تتشابك حلقات الاستفادة بين طرف أو أكثر، من بينهم المقاول المنفذ، وصاحب مصنع الإسمنت، وسائق شاحنة الباطون، والمهندس المشرف”.

وكشف صاحب المصنع عن “اتفاق علني بات معروفًا في قطاع الإنشاءات يقضي بحصول المقاول على عشرة شواقل (نحو 3 دولارات) على كل كوب باطون، مقابل توجيهه صاحب المبنى لمصنع إسمنت بعينه”.

ويشير الى أن كوب الباطون يتطلب 1250 كيلو حصمة، لكن في الكثير من الأحيان يتم الاكتفاء بـــ1100 فقط، “أي أنه يتم سرقة 150 كيلو حصمة في كل كوب. (سعر طن الحصمة 120 شيقل – نحو 32$)

وكسابقيه، يجزم صاحب المصنع أن التلاعب بالكميات والمواصفات يزداد في المشاريع الكبيرة، لعدة أسباب، أهمها، أن شركات المقاولات تضطر للدخول بمناقصات يصفها بـ”الخاسرة”، وتخفيض مبالغها لضمان رسوها عليهم.

ولتعويض الخسائر أو زيادة الأرباح تلجأ الشركات للتلاعب في الكميات والمواصفات، ولاسيما أن ذلك يوفر مبالغ كبيرة نظرًا لحجم المشاريع الضخمة.

غياب المشرف

بالعودة إلى حادثة انهيار الجدران الاستنادية (القواديح) التي بقيت تحت مجهر التحقيق، قابل معد التحقيق رئيسي لجنتي التحقيق التي تم تشكيلهما عقب الحادثة مباشرة.

نقيب المهندسين: أحيانًا لا يتم الالتزام بالمخططات التي تم اعتمادها

نقيب المهندسين محمد عرفة رئيس اللجنة الفنية التي شكلتها وزارة الأشغال العامة والإسكان للتحقيق بأسباب الانهيار، يقول إن اللجنة لم تنه عملها بعد (حتى إجراء المقابلة في 11 يوليو/ تموز 2023)، “لكن في بعض الأحيان لا يتم الالتزام بالمخططات التي تم اعتمادها، ويمكن أن يطرأ تغيير على بعضها”.

ويشير إلى أنه “من باب التسهيل على المواطنين تمنح البلديات ترخيصًا مؤقتًا مع بداية الحفر لحين استكمال الترخيص، ويمكن أن يحفر صاحب المنشأة دون حصوله على جميع التراخيص المطلوبة”.

ويكشف نقيب المهندسين أن سبب حادثة الانهيار يعود إلى أن “القواديح” لم تتحمل الأحمال الملقاة عليها، نتيجة خلل في التصميم والإشراف على البناء، وكان من المفترض أن يكون طولها 12 مترًا، لكن ما تم تنفيذه أقل من ذلك.

ويضيف عرفة “يجب ألا يقتصر دور البلديات على الارتدادات، وإنما متابعة الهيكل الإنشائي، ونحن في إطار بناء منظومة متكاملة للإشراف بالتعاون مع الحكم المحلي”.

وبالانتقال إلى وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان السابق في غزة ناجي سرحان، الذي يترأس اللجنة الثانية المنوط بها تحديد المسؤوليات عن الحادثة، فإنه يقول إن هناك ثلاثة مستويات يُلقى على عاتقها المسؤولية.

رئيس لجنة تحقيق: الجميع عليه مسؤولية، وندرس من تجاوز بشكل أساسي

وتساءل، في إشارة إلى الجهات الثلاث: “هل قدّم المصمم تصميمًا صحيحًا؟، وهل عمل المشرف حسب المخططات؟، وهل اتّبع المقاول التعليمات أو تجاوزها”؟

ويؤكد سرحان أن “الجميع عليه مسؤولية، لكن اللجنة تدرس من الذي تجاوز بشكل أساسي، وعلى من يقع الخلل”.

شبهة فساد

بعد عملية بحث وتنقيب معقدة لإثبات الفرضية التي تعززها شهادات المختصين، والنبش في الكثير من المعلومات التي جمعتها وكالة “صفا” على مدار ثلاثة أشهر، وصل معد التحقيق إلى مشروع حكومي قيد الإنشاء في جنوبي القطاع.

وبوجود فني مختص، كشف التحقيق عن استخدام حجارة “كسارة” (حجارة معادٌ تدويرها من مخلفات الأبنية) في أعمال البناء، رغم أن ذلك مخالف للعقود والنظام الذي يمنع استخدامها نظرًا لضعفها مقارنة بالحجارة المصنعة من الحصمة.

WhatsApp Image 2023-08-19 at 12.51.21 PM.jpegووثق معد التحقيق البناء شبه المكتمل؛ مما أثار الكثير من علامات الاستفهام والتساؤلات حول أسباب استخدام حجارة “الكسارة”، ولماذا تم استخدام الحجارة المخالفة للشروط؟، وأين الجهات الإشرافية والرقابية من ذلك ولاسيما أن عملية البناء تستغرق عدة أشهر؟ وأين يذهب فارق السعر؟

اللجان الشعبية: نتابع البناء في المخيمات في ظل غياب الجهات الإشراقية

حمل معد التحقيق هذه الاستفسارات وطرحها على طاولة البحث مع مهندس مختص يعمل منذ سنوات في الإشراف على مشاريع مماثلة.

ويقول المهندس، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لأن “الملف شائك”، على حد تعبيره، إن: “فرق السعر بين حجر الحصمة والكسارة يصل إلى نصف شيقل تقريبًا- في كل حجر- على اختلاف أحجام الحجارة المستخدمة”.

وبحسب “جدول الكميات” في مفتاح العقد الملزم للمقاول، فإنه يجب أن تكون قوة الكسر (التحمل) للحجر 35 كيلو جرامًا لكل سنتيمتر مربع، لكن حجر الكسارة يمكن أن يصل إلى 20 فقط، أي لا يتجاوز المعايير المطلوبة.

ونظرًا لمسؤوليتها المهنية نتحفظ على ذكر اسم المشروع منعًا لأي آثار يمكن أن تترتب على ذلك، لكنها وضعته على طاولة أعلى جهة إشرافية حكومية ذات صلة بالمشروع، والتي شددت بعد لقائها معد التحقيق على أنها “تتابع الأمر وكل التفاصيل الواردة إليها حوله بجدّية”، وستتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع أي تجاوزات”.

في مكتبه بمدينة غزة التقى معد التحقيق بمدير عام الرقابة على الشؤون الهندسية في ديوان الرقابة المالية والإدارية إيهاب الريس، وناقش معه آليات الرقابة على المشاريع الحكومية.

ويقول الرئيس: “دورنا يكمن في الرقابة على إجراءات المشاريع الممولة حكوميًا، بداية من طرح المناقصات والتأكد من إجراءات الشفافية في استقطاب العروض، مرورًا بالتدقيق على مراحل تنفيذ المشاريع، والمستخلصات وفحص المواد حسب الأصول، وحتى الاستلام الابتدائي ومن ثم النهائي للمشروع”.

أما في حال كان المشروع ممول خارجيًا، فتتابع الشؤون الهندسية بديوان الرقابة إجراءاتها الرقابية مع الجهة الحكومية المالكة للمشروع، وفق الريس.

ويشدد في حديثه على أن “أي ملاحظة عن شبهات فساد أو خلل في الإجراءات خلال تنفيذ المشاريع، يتم التحقيق فيها فورًا، ويتحمل مسؤوليتها المهندس المشرف”. وفي حادثة سابقة وقعت في الثامن من فبراير 2022، انهار مبنى قيد الإنشاء قرب ميناء الصيادين غرب مدينة غزة.

ديوان الرقابة: نتابع أي معلومة تصلنا عن خلل في المشاريع

كما انهار في منتصف شهر فبراير/ شباط 2016 سقف مبنى قيد الإنشاء تبلغ مساحته 1200 متر مربع داخل جامعة الأقصى الحكومية بخان يونس، توفي على أثرها العامل كامل نعيم عبيد (35 عامًا)، وأصيب 21 مواطنًا غالبيتهم من عمال البناء، جراء الانهيار أثناء “صبة الباطون”.

 مكاتب وهمية

في محاولة الإمساك بجميع خيوط الملف، تنقل معد التحقيق بين العديد من محافظات القطاع بحثًا عن شهادات فنيين ومختصين، وتمّكن من مقابلة مهندس إشراف كشف عن “خفايا خطيرة”، أبرزها وجود مكاتب وهمية يبيع فيها المهندس ختمه المرخص، وهو لا يعمل في المكتب، ولا علاقة له بإنجاز المخططات وعقود الإشراف.

ويشدد المختص على أن “حل المشكلة يكمن في أن توقف البلديات أعمال البناء في حال غياب المهندس المشرف خلال جولاتها، وألا تقتصر رقابتها على الالتزام بالمخططات والتراخيص فقط”.

أما صاحب مصنع “البلوك”، فيقول إنه القائمين على المشاريع والبنايات الاستثمارية وأحيانًا أصحاب المنازل يشترطون أخذ عينة من الباطون لفحصها في المختبرات للتأكد من مطابقتها المعايير”، لكنه يكشف أن “بعض أصحاب مصانع الباطون يلجؤون لطرق التفافية لإنجاح فحص العينة؛ بهدف إخفاء التلاعب في المواصفات”.

ويوضّح أن “الفساد يكمن في أخذ القائمين على المصنع عينة الاختبار قبل إضافة الكثير من الماء إلى الباطون؛ لزيادة كميته، وفي أحيان أخرى يتم إضافة القليل من الإسمنت على العينة لضمان نجاحها”.

صاحب مصنع باطون سابق، قابله معد التحقيق، يرفع النقاب أيضًا عن “كواليس الغش” التي يمارسها بعض أصحاب المصانع، مؤكدًا أن “المصانع لا تخضع لرقابة على مدار الساعة، وتقتصر جولات التفتيش على متابعة الموازين فقط”.

ويشرح التفاصيل بقوله: “كل كوبٍ من الباطون يحتاج 1250 كجم حصمة، وهو ما يعرف برمز B250، ثم يُضاف عليه 600 كجم من الرمل ليصبح الوزن الإجمالي 1850 كجم، لكن فعليًا لا تلتزم المصانع بهذه المعايير، وتكتفي بوضع 1150 كجم من الحصمة فقط، رغم أن المواطن يسدد ثمن B250.

ويضيف “في هذه الحالة يوفر المصنع 100 كجم من الحصمة في كل كوب، أي بمجموع 1000 كجم (طن) في 10 أكواب من الإسمنت”.

210 مكتب إشراف هندسي في محافظات غزة

وبحسب صاحب المصنع، الذي نتحفظ بتسجيل مقابلته، يحتاج كل كوب باطون 300 كجم من الإسمنت، وتكتفي المصانع بــ250 فقط، لكنه يشدد على أن “الغش غالبًا يكون في الحصمة”.

ويشير إلى أن التلاعب بالكميات ومضاعفة الأرباح بطريقة غير مشروعة “تتم غالبًا بالاتفاق بين المقاول والمصنع، بحيث يحصل المقاول على نسبة من مالك المصنع مقابل ذلك”.

ويؤكد أنه “من السهل الالتفاف على الرقابة والإشراف بالطرق المذكورة سابقًا، وغيرها”.

غياب النزاهة

على طاولة الجهات الفنية المختصة التقينا بأحمد الكرد المدير السابق لمختبر فحص المواد والتربة بالجامعة الإسلامية، وهو واحد من خمس مختبرات متخصصة في القطاع.

ويعتقد الكرد أن الإشكالية الأكبر في المشاريع، تعود لضعف موقف المهندس المشرف أمام المقاول المنفذ.

وفي التفاصيل يقول الكرد، الذي أدار مختبر الجامعة في الفترة الواقعة بين عامي 1995 و2013: “يتقاضى المهندس المشرف في معظم المشاريع ساعاته الإضافية التي يقضيها في الرقابة على العمل، من المقاول المنفذ، ونظرًا لراتبه المنخفض هذه الأيام، وحاجته لصرف الساعات الإضافية، فإنه يضطر للتساهل في عملية الإشراف، وهنا تكمن المشكلة”.

أما الأمر الآخر، وفق الكرد، فيكمن في أن “المقاول المنفذ منوط به حاليًا إجراء الفحوصات المخبرية؛ لذلك يتردد على المختبرات التي تمنحه نتائج ناجحة دومًا، وتتنازل عن النزاهة بهدف الحفاظ على المقاول كزبون دائم”.

ويشدد على أنه “لا يعقل نجاح جميع العينات في مشروع كبير”، مرجعًا سبب ذلك لضعف موقف المهندس المشرف مقابل ما وصفه “تغول” المقاول عليه.

ويطالب الكرد بمعالجة الأمر من خلال إجراء الفحوصات عبر الجهات المالكة وليس المقاول.

 تجاوزات

لملم معد التحقيق أوراقه وانتقل بها إلى الجهات المختصة، وناقش معها جميع الملاحظات التي وردت من الفنيين.

رئيس هيئة المكاتب والشركات الهندسية في نقابة المهندسين زهير مدوخ، يقول إن متطلبات الترخيص في البلديات تجبر مالك البناء على توفير عقد إشراف مع المخطط، لذلك لجأت بعض المكاتب لمنح المواطنين عقودًا صورية كهدية مع مخطط التصميم.

تحصل نقابة المهندسين على عائد مالي مقابل اعتمادها المخططات، يحدده تعليمات ممارسة المهنة المقر في مارس 2004

ووفق مدوخ؛ فان النقابة طالبت البلديات بالفصل بين مرحلة المخططات وعقود الإشراف، لكنها أصرّت على وجودها مجتمعة، معتبرًا ذلك “خللًا في العمل”.

ويعترف بوجود عقود إشراف وهمية، تحاول النقابة تجاوزها من خلال منح المواطن خصم 50% على عقود الإشراف.

ويؤكد أن بعض البلديات تعتمد عقود إشراف دون ختم نقابة المهندسين، “في إجراء مخالف للنظام المعمول به”.

وفي رده على أن اعتماد نقابة المهندسين عقود الإشراف يضعها أمام مسؤوليتها بالتأكد من أنها ليست صورية، يقول مدوخ: “الطواقم الفنية العاملة في نقابة المهندسين محدودة”.

ويشير إلى أن “بعض المشكلات ظهرت في عدم تنفيذ المخطط أثناء العمل؛ لذلك فعّلت النقابة منذ أغسطس/ آب 2022 الإشراف الإلزامي الكامل على المباني الاستثمارية والعامة، والإشراف الجزئي على المباني الخاصة”.

ويلفت إلى أن “النقابة تعكف على إنشاء مكتب فني لتشكيل طاقم مشرف على الإشراف الفعلي بالميدان”، كاشفًا عن “وجود معيقات لذلك، منها ضعف التنسيق بين وزارة الحكم المحلي وعدد من البلديات”.

38 مصنعًا للباطون في قطاع غزة

وستكون من مهام المكتب الفني الجديد متابعة مطابقة المخططات للتنفيذ، ومنع الغش، وخاصة في المباني الاستثمارية؛ لأن هدف المستثمرين تحسين هامش الربح والتوفير على حساب الجودة، وفق رئيس هيئة المكاتب والشركات الهندسية في نقابة المهندسين.

وفي إجابته على الاستفسارات التي جمعها معد التحقيق، يُقر مدوخ بـ”بيع بعض المهندسين أختامهم”، مشيرًا إلى أن “النقابة تفرض عقوبات على من يثبت تورطه، بما في ذلك إغلاق المكاتب الهندسية لفترات متفاوتة”.

ويشير إلى أن “بعض مهندسي البلديات يوجّهون المتعاملين إلى مكاتب هندسية معيّنة لهم فيها نصيب أو يحصلون منها على نسبة، وأحيانًا يتفقون مع مهندسين آخرين لترخيص مكاتب لهم لكن بعيدًا عن أسمائهم؛ لأن القانون يمنعهم من فتح مكاتب خاصة بهم”.

ويضيف “بعض مهندسي البلديات يوهمون الناس أن بإمكانهم مساعدتهم في إصدار تقليص الارتداد ومنحهم بعض الخصومات مقابل التعاقد مع مكاتب بعينها، وهذا يندرج تحت مسمى “تضارب المصالح”.

وفي هذا السياق يشير مدير عام الرقابة على الشؤون الهندسية في ديوان الرقابة المالية والإدارية، الى أن عددًا من مهندسي البلديات كان لديهم مكاتب هندسية سابقًا، “لكن هذا الأمر تم منعه”.

ولم يستبعد الريس توجيه بعض مهندسي البلديات المتعاملين لمكاتب محددة، لكنه يؤكد أن “هذا يحتاج مبادرة من المواطنين وتقديم شكوى ضدهم”، في وقت لم تصلهم أي شكوى بالخصوص.

وجاء في دراسة أعدتها الباحثة هديل رزق للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة-أمان؛ أن “تعارض المصالح” من مؤشرات الفساد، وهو الموقف الذي تتأثر فيه موضوعية واستقلالية قرار موظف في الوظيفة العامة بمصلحة شخصية مادية أو معنوية تهمه، أو عندما يتأثر أداؤه للوظيفة العامة باعتبارات شخصية مباشرة أو غير مباشرة أو بمعرفته بالمعلومات التي تتعلق بالقرار.

450 مصنعًا لـ”البلوك” في قطاع غزة

ويكشف مدوخ أن “مكتبًا هندسيًا اعتمد مخططات بمواصفات عالية تكفي لإقامة مبنى أرضي وسبعة طوابق، لكن عند التنفيذ تم تغيير المواصفات، وأصبحت لا تحتمل أكثر من ثلاثة طوابق فقط، وهذا غش بهدف التكسب غير المشروع”.

ولم يخف رئيس هيئة المكاتب في النقابة وجود صفقات في بعض الأحيان بين مقاولين ومهندسي إشراف للحصول على نسبة من المبالغ التي يتم توفيرها بتخفيف الحديد والباطون.

ويقول: “صوّبنا الأداء في نحو 10 مبانٍ استثمارية في غزة، ووجدنا فروقًا في المواصفات، والبلديات أيضًا أغلقت عددًا من المكاتب الهندسية”.

ويطالب مدوخ البلديات بإيقاف العمل في المباني حال لم تجد مهندس إشراف خلال جولاتها التفقدية، وألا يقتصر عملها على متابعة الارتدادات.

خارج الإشراف

المفاجأة أن عمليات البحث والتحري التي نفذها معد التحقيق، أظهرت غياب جميع الإجراءات السابقة للتراخيص والإشراف عن منازل ومباني مخيمات غزة الثمانية التي يقطنها أكثر من نصف سكان القطاع، على اعتبار أنها لا تخضع لنفوذ البلديات.

وتتولى “اللجان الشعبية” متابعة البناء في المخيمات في ظل غياب الجهات الإشرافية وحدوث عدد من الإشكاليات، مما دفعها للتدخل لضبط الحالة كما يقول عبد الناصر المقادمة رئيس اللجنة الشعبية لشؤون اللاجئين في مخيم جباليا.

وتتابع اللجان الشعبية مخططات البناء من خلال لجنة فنية مختصة، بهدف الوصول لدرجة أمان في المباني، لأن أي خلل في المخيمات يمكن أن يؤثر على عدد كبير من السكان.

ووفق المقادمة؛ تُقدّم الاستشارة مجانًا للاجئين، لكن يدفع اللاجئ ما قيمته 2.5 شيقل على كل متر مربع سواء بالطابق الأرضي أو الطبقات المتعددة، مع خصم 30% من إجمالي المبلغ الذي يذهب لتسديد رواتب ثلاثة موظفين (مهندس وفنيين اثنين). (بحاجة للتأكد من أن إعادة الصياغة لم تُخل بالمعلومات)

ويعترف المقادمة أن ثلاثة موظفين عدد قليل مقارنة بحجم البناء في مخيم جباليا الأكبر مساحة في القطاع، “لكنهم يحاولون تغطية جميع المتطلبات”.

وبحسب اللجان الشعبية؛ بدأ العمل في تنظيم البناء بالمخيمات منذ عام 2010، واتخذ قرار بالتشديد عليها عام 2016، وتم تحديد البناء داخل المخيمات بطابق أرضي وأربع طبقات إضافية بارتفاع 18 مترًا بحد أقصى.

وقبل أن يُطوى ملف التحقيق، وفي إطار البحث كشفت مصادر خاصة لوكالة “صفا”، أن أحد مساجد شمالي القطاع (نتحفظ على ذكر اسمه) لم تحتمل الطبقة الأولى منه “البدروم” استكمال البناء بسبب ضعفها؛ ما اضطر القائمين على المشروع لحفر قواعد خارجية واستكمال البناء.

الحوادث السابقة وغيرها تُبقي شبهات الفساد مفتوحة على مصراعيها، في انتظار إقرار آليات عمل تضع حدا للتلاعب بالمواصفات، وتجاوز المعايير، واختلاس الأموال، والكسب غير المشروع.

التحقيق تنفيذ ملتقى إعلاميات الجنوب بالتعاون والشراكة مع ائتلاف امان
ضمن مشروع “تشجيع الإعلام في الكشف وتسليط الضوء على قضايا الفساد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابعنا على منصات التواصل الاجتماعي

3,300المشجعينمثل
5,723أتباعتابع
458أتباعتابع
533أتباعتابع
1,500المشتركينالاشتراك

الأكثر شهرة

أحدث إصدار من مجلة إنسان

احدث التعليقات